عندما يختار شخص مسارًا مهنيًا غير مناسب له، قد يبدو الأمر في البداية قرارًا شخصيًا لا يتجاوز حدود حياته العملية
لكن أثر القرار المهني يمتد أبعد من الفرد
موظف يعمل في مجال لا يتوافق مع قدراته أو اهتماماته قد يفقد الحافز تدريجيًا. وخريج يختار مسارًا دون فهم كافٍ لطبيعته قد يقضي سنوات في الانتقال بين الخيارات. ومنشأة توظف أشخاصًا في أدوار لا تتناسب مع إمكاناتهم قد تواجه انخفاضًا في الاستقرار والأداء والارتباط بالعمل
لهذا فإن الإرشاد المهني ليس رفاهية، وليس خدمة مرتبطة فقط بمن يبحث عن وظيفة
إنه أداة تساعد على تحسين العلاقة بين الإنسان والتعليم والعمل وسوق العمل
عندما يفهم الفرد ميوله وقيمه ومهاراته، يصبح أكثر قدرة على البحث عن الفرص المناسبة له. وعندما يعرف متطلبات المهن والمهارات التي يحتاج إلى تطويرها، تصبح قراراته التعليمية والتدريبية أكثر دقة
وهنا تتحول التنمية المهنية من رد فعل إلى عملية مخططة
بدل أن يلتحق الفرد بأي دورة متاحة، يستطيع أن يسأل
ما المهارة التي يحتاجها المسار الذي أستهدفه؟
وبدل أن يتقدم إلى عشرات الوظائف المختلفة، يستطيع أن يركز جهده على الفرص التي تتقاطع مع قدراته وأهدافه
هذه القرارات الصغيرة تتراكم على مستوى المجتمع
فكلما تحسن وعي الأفراد بقراراتهم المهنية، أصبحت الاستفادة من الطاقات البشرية أفضل، وأصبح الانتقال بين التعليم وسوق العمل أكثر وضوحًا، وأصبح تطوير المهارات أكثر ارتباطًا باحتياجات حقيقية
وتقوم فلسفة الإرشاد المهني على فكرة مهمة: أن الفرد ليس مجرد باحث عن وظيفة، بل شخص يتطور مهنيًا عبر مراحل حياته، وقد تتغير أولوياته وأدواره وقراراته مع مرور الوقت
لذلك لا يجب أن يكون السؤال المهني محصورًا في مرحلة التخرج
قد يحتاج الموظف بعد خمس سنوات إلى إعادة تقييم مساره
وقد يحتاج شخص في منتصف حياته المهنية إلى إعادة اكتشاف أولوياته
وقد يحتاج آخر إلى التأكد من أن المسار الذي يسير فيه ما زال متوافقًا مع الصورة التي يريدها لمستقبله
ومن هنا جاءت فكرة بوصلتك للإرشاد المهني: أن يكون الإرشاد مساحة تساعد الفرد على فهم موقعه الحالي، وتحديد الاتجاه الأقرب إليه، ثم تحويل هذا الوضوح إلى خطوات عملية
لأن المجتمع الذي يساعد أفراده على فهم إمكاناتهم لا يساعدهم فقط على العثور على وظائف
بل يساعدهم على أن يكونوا في الأماكن التي يستطيعون فيها تقديم قيمة حقيقية
وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نعيد التفكير فيه هو
كم من الطاقات حولنا لم تجد مكانها الصحيح بعد، ليس لأنها تفتقد القدرة، بل لأنها لم تجد التوجيه المناسب؟