«لا أعرف ماذا أريد.»
قد تبدو هذه الجملة علامة على الضياع، لكنها في كثير من الحالات تكون بداية مرحلة مهمة جدًا من النضج المهني
فالإنسان لا يصبح أكثر وضوحًا لأنه لم يحتَر يومًا، بل لأنه تعلّم كيف يفهم أسباب حيرته
بعض الأشخاص يحتارون لأن لديهم خيارات كثيرة. وآخرون لأنهم اختاروا تخصصاتهم في سن مبكرة قبل أن يعرفوا أنفسهم جيدًا. وقد يشعر شخص آخر بعد سنوات من العمل أن المسار الذي كان مناسبًا له سابقًا لم يعد يعبر عن طموحاته الحالية
المشكلة إذن ليست في الحيرة نفسها
المشكلة أن نستمر في اتخاذ قرارات كبيرة ونحن لا نعرف سبب هذه الحيرة
من هنا تأتي أهمية الإرشاد المهني
في العملية الإرشادية لا نبدأ بالقفز مباشرة إلى أسماء الوظائف. البداية الأكثر منطقية هي فهم الوضع الحالي للفرد: ما الذي دفعه إلى التفكير في التغيير؟ ما الذي يرضيه في تجربته الحالية؟ ما الذي يزعجه؟ وما الذي يبحث عنه في المرحلة القادمة؟
بعد ذلك تبدأ الصورة بالتشكل تدريجيًا
الميول المهنية تساعد على استكشاف المجالات التي تثير اهتمام الشخص، والقيم توضح ما يحتاج إليه ليشعر بالرضا والاستمرار، والمهارات تكشف ما يستطيع البناء عليه، بينما يساعد استكشاف المهن وسوق العمل على اختبار الأفكار بدل الاكتفاء بتخيلها
وهنا يحدث تحول مهم
بدل أن يقول الشخص:
«أنا محتار بين عشر وظائف.»
يصبح قادرًا على القول:
«لدي ثلاثة خيارات، وأعرف لماذا أميل إلى أحدها أكثر من الآخر.»
هذا التحول من الحيرة غير المنظمة إلى المفاضلة الواعية هو أحد أهم أدوار الإرشاد المهني
فالقرار المهني ليس لحظة مفاجئة من الإلهام، بل نتيجة سلسلة من الأسئلة والمعلومات والمقارنات
وهذا أحد المبادئ التي تنطلق منها خدمة بوصلتك للإرشاد المهني؛ ألا نقدم للعميل اتجاهًا جاهزًا، بل نساعده على بناء معاييره الخاصة لاتخاذ القرار
لأن القرار الذي يفهم الإنسان أسبابه يكون أكثر قوة من القرار الذي اتخذه فقط لأنه كان شائعًا أو لأن شخصًا آخر نصحه به
وقد يكون أهم سؤال في لحظة الحيرة هو
هل أنا فعلًا لا أعرف ماذا أريد، أم أنني لم أتعلم بعد كيف أبحث عن الإجابة؟
عندما يتغير السؤال، تبدأ الطريق بالوضوح